فخر الدين الرازي
411
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
ثم قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ والغرض منه ترغيب المكلفين في الرجوع إلى اللّه تعالى والإعراض عن كل ما سوى اللّه . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 160 ] إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 160 ) [ في قوله تعالى إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ] قال ابن عباس : إن ينصركم اللّه كما نصركم يوم بدر فلا يغلبكم أحد ، وإن يخذلكم كما خذلكم يوم أحد لم ينصركم أحد . وفيه مسائل : المسألة الأولى : قيل المقصود من الآية الترغيب في الطاعة ، والتحذير عن المعصية ، وذلك لأنه تعالى بين فيما تقدم أن من اتقى معاصي اللّه تعالى نصره اللّه ، وهو قوله : بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ [ آل عمران : 125 ] ثم بين في هذه الآية أن من نصره اللّه فلا غالب له ، فيحصل من مجموع هاتين المقدمتين ، أن من اتقى اللّه فقد فاز بسعادة الدنيا والآخرة فإنه يفوز بسعادة لا شقاوة معها وبعز لا ذل معه ، ويصير غالبا لا يغلبه أحد ، وأما من أتى بالمعصية فإن اللّه يخذله ، ومن خذله اللّه فقد وقع في شقاوة لا سعادة معها ، وذل لا عز معه . المسألة الثانية : احتج الأصحاب بهذه الآية على أن الإيمان لا يحصل إلا بإعانة اللّه ، والكفر لا يحصل إلا بخذلانه ، والوجه فيه ظاهر لأنها دالة على أن الأمر كله للّه . المسألة الثالثة : قرأ عبيد بن عمير وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ من أخذله إذا جعله مخذولا . المسألة الرابعة : قوله : مِنْ بَعْدِهِ فيه وجهان : الأول : يعني من بعد خذلانه ، والثاني : أنه مثل قولك : ليس لك من يحسن إليك من بعد فلان . ثم قال : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يعني لما ثبت أن الأمر كله بيد اللّه ، وأنه لا راد لقضائه ولا دافع لحكمه ، وجب أن لا يتوكل المؤمن إلا عليه ، وقوله : وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ يفيد الحصر ، أي على اللّه فليتوكل المؤمنون لا على غيره . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 161 ] وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 161 ) [ في قوله تعالى وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ] اعلم أنه تعالى لما بالغ في الحث على الجهاد أتبعه بذكر أحكام الجهاد . ومن جملتها المنع من الغلول ، فذكر هذه الآية في هذا المعنى وفيها مسائل : المسألة الأولى : الغلول هو الخيانة ، وأصله أخذ الشيء في الخفية ، يقال أغل الجازر والسالخ إذا أبقى في الجلد شيئا من اللحم على طريق الخيانة ، والغل الحقد الكامن في الصدر . والغلالة الثوب الذي يلبس تحت الثياب ، والغلل الماء الذي يجري في أصول الشجرة لأنه مستتر بالأشجار وتغلل الشيء إذا تخلل وخفي ، وقال عليه الصلاة والسلام : « من بعثناه على عمل فغل شيئا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه » وقال : « هدايا الولاة غلول » وقال : « ليس على المستعير غير المغل ضمان » وقال : « لا إغلال ولا إسلال » وأيضا يقال : أغله إذا وجده غالا ، كقولك : أبخلته وأفحمته . أي وجدته كذلك .